بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذى فضل على بنى آدم بالعلم والعمل على جميع العالم والصلاة والسلام على محمد سيد العرب والعجم وعلى آله وأصحابه ينابيع العلوم والحكم وبعد… فلما رأيت كثيرا من طلاب العلم فى زماننا يجدون إلى العلم ولايصلون من منافعه وثمراته وهى العمل به والنشر يحرمون لما أنهم أخطأوا طريقه وتركوا شرائطه وكل من أخطأ الطريق ضل، ولاينال المقصود قل أو جل فأردت وأحببت أن أبين لهم طريق التعلم على ما رأيت فى الكتب وسمعت من أساتيذى أولى العلم والحكم رجاء الدعاء لى من الراغبين فيه المخلصين بالفوز والخلاص فى يوم الدين، بعد ما استخرت الله تعالى فيه وسميته تعليم المتعلم طريق التعلم وجعلته فصولا
فصل فى ماهية العلم والفقه وفضله
فصل فى النية فى حال التعلم فصل فى اختيار العلم والأساتذ والشريك والثبات فصل فى تعظيم العلم وأهله فصل فى الجد والمواظبة والهمة فصل فى بداية السبق وقدره وترتيبه فصل فى التوكل فصل فى وقت التحصيل فصل فى الشفقة والنصيحة فصل فى الإستفادة واقتباس الأدب فصل فى الورع فصل : فيما يورث الحفظ، وفيما يورث النسيان فصل : فـيمـا يجـلب الـرزق، وفيـما يمـنع، وما يزيـد فى العـمـر، وما ينقص وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب فصل فى ما هية العلم والفقه والفضله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة اعلم بأنه لايفترض على كل مسلم طلب كل علم وإنما يفترض عليه طلب علم الحال كما قال: وأفضل العلم علم الحال، وأفضل العمل حفظ الحال ويفترض على المسلم طلب ما يقع له فى حاله، فى أى حال كان فإنه لابد له من الصلاة فيفترض عليه علم ما يقع له فى صلاته بقدر ما يؤدى به فرض الصلاة ويجب عليه بقدر ما يؤدى به الواجب لأن ما يتوسل به إلى إقامة الفرض يكون فرضا وما يتوسل به إلى إقامة الواجب يكون واجبا وكذا فى الصوم والزكاة إن كان له مال والحج إن وجب عليه وكذا فى البيوع إن كان يتجر قيل لمحمد بن الحسن، رحمة الله عليه: لما لاتصنف كتابا فى الزهد قال: قد صنفت كتابا فى البيوع يعنى: الزاهد من يحترز عن الشبهات والمكروهات فى التجارات وكذلك فى سائر المعاملات والحرف وكل من اشتغل بشيئ منها يفترض عليه علم التحرز عن الحرام فيه وكذلك يفترض عليه علم أحوال القلب من التوكل والإنابة والخشية والرضى فإنه واقع فى جميع الأحوال فصل فى النية فى حال التعلم وشرف العلم لايخفى على أحد إذ هو المختص بالإنسانية لأن جميع الخصال سوى العلم يشترك فيها الإنسان وسائر الحيوانات كالشجاعة والجراءة والقوة والجود والشفقة وغيرها سوى العلم وبه أظهر الله تعالى فضل آدم عليه السلام على الملائكة وأمرهم بالسجود له وإنما شرف العلم بكونه وسيلة الى البر والتقوى الذى يستحق بها المرء الكرامة عند الله والسعادة والأبدية كما قيل لمحمد بن الحسن رحمة الله عليهما شعرا تعـلـم فــإن الـعلـم زيـن لأهــلــه ۞ وفــضـل وعــنـوان لـكـل مـــحامـد وكــن مـستـفـيدا كـل يـوم زيـادة ۞ من العـلم واسـبح فى بحـور الفوائـد تـفـقـه فإن الـفــقـه أفــضـل قائـد ۞ الى الــبر والتـقـوى وأعـدل قـاصـد هو العلم الهادى الى سنن الهدى ۞ هو الحصن ينجى من جميع الشدائد فـإن فـقيــهـا واحــدا مــتـورعــا ۞ أشـد عـلى الشـيطـان من ألـف عابد وكذلك في سائر الأخلاق نحوالجود والبخل والجبن والجراة والتكبر والتواضع والعفة والأسراف والتقتير وغيرها.فان الكبر والبخل والجبن والسراف حرم ولايمكن التحرز عنحا الابعلمها وعلم ما يضادها فيفترض عل كل انسان علمها وقد صنفالسيدالامام الا جلالشحيد ناصرالدين ابو القاسم كتابا في الاخلاق ونعم ما صنف.فيجب عل كل مسلم حفظها واما حفظ ما يقع في بعض الا حايين ففرض عل سبيل الكفاية اذا قام به البعض في بلدة سقط عن الباقين.فان لم يكن في البادة من يقوم به. اشتركوا جميعافي المأ شم فيجب عل الامام ايأمرهم بذلك. فيجبر اهل البادة عل ذلك فقيل بأن علم ما يقع عل نفسه في جميع الأحوال بمنزلة الطعام لابد لكل واحد من ذلك وعلم ما يقع في بعض الأ حا يين بمنزلة الدواء يحتاج اليه في بعض الا وقات وعلم النجوم بمنزلة المرض فتعلمه حرام لانه يضر ولا ينفع والهرب من قضاء الله تعالى وقدره غير ممكن. ويجب لكل مسلم أيشتغل فى جميع او قاته بذكرالله تعالى والدعاء والتضرع وقراءة القران والصدقات الدافعة للبلاء ويسئل الله تعالى العفو والعافية فى الدنيا والاخرة ليصونه الله تعالى عن البلاء والافات فان من رزق الدعاء لم يحرم الاجابة فان كان لبلاء مقدرا يصيبه لامحالة. ولكن ييسره الله تعالى عليه ويرزقه الصبر ببركة الدعاء.اللهم الا اذا تعلم من النجوم قدرما يعرف به القبلة واوقات الصلاة فيجوز ذلك. واما تعلم علما الطب فيجوز, لانه سبب من الأ سباب فيجوزتعلمه كساْئر فقد تدواى النبى صلى الله عليه وسلم وقد حكى عن الشافعى رحمه الله انه قال:العلم علمان علم الفقه للأديا وعلم الطب للابدان وما وراء ذلك بلغة مجلس واما تفسير العلم فهو صفة يتجلى بها لمن قامت هي به المذكور,والفقه معرفة دقائق العلم. قال ابوحنيفة رحمة الله عليه : الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها وقال : ما العلم الا للعمل به والعمل به ترك العاجل للاجل. فيمبغي للانسان ان لا يغفل عن نفسه وما يضرها فى اولاها واخراها . فيستلجب ما ينفعها ويجتنب ما يضرها كيلا يكون عقله وعلمه حجة فيزدا دعقوبة نعوذ بالله من سخطه وعقابه وقد ورد فى مناقب العلم وقضائله آيات واخبار ضحيحة مشحورة لم نستغل بذكرها كيلا يطول الكتاب. فصل فى النية فى حال التعلم ثم لا بد له من النية فى زمان تعلم العلم اذ النية هى الاصل فى جميع الأحوال.لقوله عليه الصلاة والسلام: انماالأعمال باالنيات,حديث صحيح. وعن رسول الله صلى الله عليه اسلام: كم من عمل يتصور بصورة اعمال الدنيا ويصير بحسن النية من اعمال الاخرة . وكم من عمل يتصور بصورة اعمال الآخرة ثم يصير من اعمال الدنيا بسوء الني ويمبغى ان ينوى المتعلم بطلب العلم رالضاالله تعلى والدار الاخرة وازالة الجهل عن نفسه وعن سائر الجهار واحياء الدين وابقا ء الاسلام فان بقاء الاسلام بالعلم ولا يصيح الزهد واتقواى مع الجهل.وانشد الشيخ الامام الاجا ر برهان الدين صاحب الهداية شعرا لبعضهم فساد كبير عالم متحتك ♣ واكبر منه جا هل متنسك هما فتنة فى العالمين عظيمة ♣ لمن بهما فى دينه يتمسك ويوى به الشكر على نعمة العقل وصحة البدن ولا ينوى به اقبال الناس ولا استجلاب حطام الدنيا والكرمة عند السلطان وغيره قال محمد ابن الحسن رحمه الله تعالى لوكان الناس كلهم عبيدى لاعتقتهم وتبرأت عن ولا ئهم ومن وجد لذة العلم والعمل به قلما يرغب فيما عند الناس. انشدنا الشيخ الامام الاجل قوام الدين حماد بن ابراهيم بن اسماعيل الصفار الانصري املاء لأبى حنيفة رحمه الله تعالى شعرا من طلب العلم للمعاد ♣ فاذ بفضل من الرشاد فيالخسران طا لبيه ♣ لنيل فضل من العباد اللهم الا اذا طلب الجاه للامر با لمعروف والنهى عن المنكر وتنفيذالحق واعزازالدين لا لنفسه وهواه فيجوز ذلك بقدرما يقيم به الامر با لمعروف والنحى عن المنكرف ويمبغى لطالب العلم ان يتفكر فى ذلك فانه يتعلم العلم بجهد كثير, فلا يصرفه الى الدنيا الحقيرة القليلة الفانية. شعر. هى الدنيااقل من القليل ♣ وعاشقها اذل من الذليل تصم بسحر ها قوما وتعمى ♣ فهم متهيرون بلا دليل ويمبغى لاهل العلم ان لا لايذل نفسه بالطمع فى غير مطمع ويتحرز عما فيه مذلة العلم واهله ويكون متواضعا. والتواضع بين التكبر والمذلة والعفة كذلك يعرف ذلك فى كتاب الأخلاق انشد اشيخ الامام الاجل الاستاذ ركن الاسلام, المعروف بالأديب المختار شعرا لنفسه ان التواضع منخصال المتقى ♣ وبه التقى الى المعالى يرتقى ومن العجائب عجب من هوجاهل ♣ فى حاله اهوالسعيد ام الشقى ام كيف يختم عمره اوروحه ♣ يوم النوى متسفل اومرتقى والكبرياء لربنا صفة به ♣ مخصوصة فتجنبنها واتقى قال ابو حنيفة رحمه الله لاصحابه: عظموا عما ئمكم ووسعوا اكما مكم وانما قال ذلك لئلا يستخف بالعلم واهله . ويمبغى لطالب ان يحصل كتاب الواصية التي كتبها ابو حنيفة ليوسف نب خالد السمتى عند الرجوع الى اهله يجده من يطلب. وكان استاذنا الشيخ الامام برهان الائماتة على بن ابى بكر قدسالله روحهالعزيز امرنى بكتابته عند الرجوع الى بلدى وكتابته. ولا بد للمدرس والمفتى فى معاملات الناس منه فصل فى اختير العلم ولأستاذ والشريك والثبات عليه وينبغى لطالب العلم أن يختار من كل علم أحسنه وما يحتاج إليه فى أمر دينه فى الحال، ثم ما يحتاج إليه فى المآل. ويقدم علم التوحيد والمعرفة ويعرف الله تعالى بالدليل، فإن إيمان المقلد ـ وإن كان صحيحا عندنا ـ لكن يكون دائما بترك الإستدلال. ويختار العتيق دون المحدثات، قالوا: عليكم بالعتيق وإياكم بالمحدثات، وإياك أن تشتغل بهذا الجدال الذى ظهر بعد انقراض الأكابر من العلماء، فإنه يبعد عن الفقه ويضيع العمر ويورث الوحشة والعداوة، وهو من أشراط الساعة وارتفاع العلم وافقه ,كذا ورد فى الحديث. أما اختيار الأستاذ فينبغى أن يختار الأعلم والأورع والأسن، كما اختار أبو حنيفة، رحمة الله عليه، حماد بن سليمان، بعد التأمل والتفكير، قال: وجدته شيخا وقورا حليما صبورا فى الأمور. وقال: ثبت عند حماد بن ابى سليمان فنبت وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: سمعت حكيما من حكماء سمرقند قال: إن واحدا من طلبة العلم شاورنى فى طلب العلم، وكان قد عزم على الذهاب إلى بخارى لطلب العلم. وهكذا ينبغى أن يشاور فى كل أمر، فإن الله تعالى أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بالمشاورة فى الأمور ولم يكن أحد أفطن منه، ومع ذلك أمر بالمشاورة، وكان يشاور أصحابه فى جميع الأمور حتى حوائج البيت. قال على كرم الله وجهه: ما هلك امرؤ عن مشاورة قيل [الناس] رجل [تام] ونصف رجل، ولا شيئ فالرجل: من له رأي صائب ويشاور العقلاء، ونصف رجل: من له رأي صائب لكن لا يشاور، أو يشاور ولكن لا رأي له. ولا شيئ: من لا رأي له ولا يشاور. وقال جعفر الصادق لسفيان الثورى: شاور فى أمرك الذين يخشون الله تعالى. فطلب العلم من أعلى الأمور وأصعبها، فكانت المشاورة فيه أهم وأوجب. قال الحكيم رحمة الله عليه: إذا ذهبت إلى بخارى فلا تعجل فى الإختلاف إلى الأئمة وامكث شهرين حتى تتأمل وتختار أستاذا، فإنك إن ذهبت إلى عالم وبدأت بالسبق عنده فربما لا يعجبك درسه فتتركه فتذهب إلى آخر، فلا يبارك لك فى التعلم فتأمل فى شهرين فى اختيار الأستاذ، وشاور حتى لا تحتاج إلى تركه والاعراض عنه فتثبت عنده حتى يكون تعلمك مباركا وتنتفع بعلمك كثيرا. واعلم أن الصبر والثبات أصل كبير فى جميع الأمور ولكنه عزيز، كما قيل: لكل إلى شأو العلا حركات ولكن عزيز فى الرجال ثبات قيل: ما الشجاعة ؟ [قيل]: الشجاعة صبر ساعة. فينبغى لطالب العلم أن يثبت ويصير على أستاذ وعلى كتاب حتى لا يتركه أبتر، وعلى فن حتى لا يشتغل بفن آخر قبل أن يتقن الأول، وعلى بلد حتى لا ينتقل إلى بلد آخر من غير ضرورة، فإن ذلك كله يفرق الأمور ويشغل القلوب ويضيع الأوقات ويؤذى المعلم. وينبغى أن يصبر عما تريده نفسه وهواه. قال الشاعر: إن الهوى لهو الهوان بعينه وصريع كل هوى صريع هوان ويصبر على المحن والبليات. قيل: خزائن المنن، على قناطير المحن. ولقد أنشدت، وقيل إنه لعلى بن أبى طالب كرم الله وجهه شعرا: ألالا تنــال الــعـلم إلا بســتة سأنبيك عن مجموعها ببيان ذكاء وحرص واصطباروبلغة ♣ وإرشاد أستاذ وطـول زمان وأما اختيار الشريك، فينبغى أن يختار المجد والوراع وصاحب الطبع المستقيم المتفهم، ويفر من الكسلان والمعطل والمكثار والمفسد والفتان. قال الشاعر: عن المرء لا تسئل وأبصر قرينه فـإن الـقرين بالمـقارن يقــتـدى فـإن كـان ذا شر فــجـنبه سرعـة وإن كان ذا خير فقارنه تهـتدى وأنشدت شعرا آخر: لا تصحـب الكسلان فى حـالته كـم صـالــح بفـسـاد آخــر يفسـد عدوى البليد إلى الجليد سريعة كالجمر يوضع فى الرماد فيخمد قال النبى صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على فطرة الإسلام، إلا أن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه. الحديث. ويقال فى الحكمة بالفارسية: باربد بدتـر بود ازمـاربد بحـق ذات بـاك الله الصـمـد باربد ازدترا سوى حجيم بار نـيكــوكــير نابـى نعــيم وقيل: إن كنت تبغى العلم وأهله أو شـاهدا يخـبـر عن غائب فاعتبر الأرض بأسـمائها واعتبر الصاحب بالصاحب فصل فى تعظيم العلم وأهله اعلم أن طالب العلم لا ينال العلم ولا ينتفع به إلا بتعظيم العلم وأهله، وتعظيم الأستاذ وتوقيره قيل: ما وصل من وصل إلا بالحرمة، وما سقط من سقط إلا بترك الحرمة والتعظيم وقيل: الحرمة خير من الطاعة، ألا ترى أن الإنسان لا يكفر بالمعصية، وإنما يكفر باستخفافها، وبترك الحرمة ومن تعظيم العلم تعظيم الأستاذ، قال على رضى الله عنه: أنا عبد من علمنى حرفا واحدا، إن شاء باع، وإن شاء استرق وقد أنشدت فى ذلك رأيت أحق الحق حق المعلم ♣ وأوجـبه حفظا على كل مسلم لقد حق أن يهدى إليه كرامة ♣ لتعليم حرف واحد ألف درهم فإن من علمك حرفا واحدا مما تحتاج إليه فى الدين فهو أبوك فى الدين وكان أستاذنا الشيخ الإمام سديد الدين الشيرازى يقول: قال مشايخنا: من أراد أن يكون ابنه عالما ينبغى أن يراعى الغرباء من الفقهاء، ويكرمهم ويطعمهم ويطيعهم شيئا، وإن لم يكن ابنه عالما يكون حفيده عالما ومن توقير المعلم أن لايمشى أمامه، ولا يجلس مكانه، ولا يبتدئ بالكلام عنده إلا بإذنه، ولا يكثر الكلام عنده، ولا يسأل شيئا عند ملالته ويراعى الوقت، ولا يدق الباب بل يصبر حتى يخرج الأستاذ فالحاصل: أنه يطلب رضاه، ويجتنب سخطه، ويمتثل أمره فى غير معصية لله تعالى، فإنه لا طاعة للمخلوق فى معصية الخالق كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: إن شر الناس من يذهب دينه لدنيا بمعصية الخالق. ومن توقيره: توقير أولاده ومن يتعلق به وكان أستاذنا شيخ الإسلام برهان الدين صاحب الهداية رحمة الله عليه حكى: أن واحدا من أكابر الأئمة بخارى كان يجلس الدرس، وكان يقوم فى خلال الدرس أحيانا فسألوا عنه, فقال: إن ابن أستاذى يلعب مع الصبيان فى السكة، ويجيئ أحيانا إلى باب المسجد، فإذا رأيته أقوم له تعظيما لأستاذى. والقاضى الإمام فخر الدين الأرسابندى كان رئيس الأئمة فى مرو وكان السلطان يحترمه غاية الاحترام وكان يقول: إنما وجدت بهذا المنصب بخدمة الأستاذ فإنى كنت أخدم الأستاذ القاضى الإمام أبا زيد الدبوسى وكنت أخدمه وأطبخ طعامه [ثلاثين سنة] ولا آكل منه شيئا. وكان الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلوانى رحمة الله عليه قد خرج من بخارى وسكن فى بعض القرى أياما لحادثة وقعت له وقد زاره تلاميذه غير الشيخ الإمام شمس الأئمة القاضى بكر بن محمد الزرنجرى رحمه الله تعالى، فقال له حين لقيه: لماذا لم تزرنى؟ قال: كنت مشغولا بخدمة الولادة. قال: ترزق العمر، لاترزق رونق الدرس، وكان كذلك، فإنه كان يسكن فى أكثر أوقاته فى القرى ولم ينتظم له الدرس. فمن تأذى منه أستاذه يحرم بركة العلم ولا ينتفع بالعلم إلا قليلا. [إن الـمـعلم والطـبيب كـلاهـما ♣ لا ينصحـان إذا هـما لم يكــرما] [فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه ♣ واقنع بجهلك إن جفوت معلما] حكى أن الخليفة هارون راشيد بعث ابنه إلى الأصمعى ليعلمه العلم والأدب فرآه يوما يتوضأ ويغسل رجله، وابن الخليفة يصب الماء على رجله، فعاتب الأصمعى [فى ذلك] بقوله: إنما بعثت إليك لتعلمه وتؤدبه فلماذا لم تأمره بأن يصب الماء بإحدى يديه، ويغسل بالأخرى رجلك؟ ومن تعظيم العلم: تعظيم الكتاب، فينبغى لطالب العلم أن لا يأخذ الكتاب إلا بطهارة. وحكى عن الشيخ شمس الأئمة الحلوانى رحمه الله تعالى أنه قال: إنما نلت هذا العلم بالتعظيم، فإنى ما أخذت الكاغد إلا بطهارة. والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسى كان مبطونا فى ليلة، وكان يكرر، وتوضأ فى تلك الليلة سبع عشرة مرة لأنه كان لا يكرر إلا بالطهارة، وهذا لأن العلم نور والوضوء نور فيزداد نور العلم به. ومن التعظيم الواجب للعالم أن لا يمد الرجل إلى الكتاب ويضع كتاب التفسير فوق سائر الكتب [تعظيما] ولا يضع شيئا آخر على الكتاب. وكان أستاذنا الشيخ برهان الدين رحمه الله تعالى يحكى عن شيخ من المشايخ: أن فقيها كان وضع المحبرة على الكتاب، فقال له [بالفارسية]: برنيابي وكان أستاذنا القاضى الإمام الأجل فخر الدين المعروف بقاضى خان رحمه الله تعالى يقول: إن يرد بذلك الاستخفاف فلا بأس بذلك والأولى أن يحترز عنه ومن التعظيم: أن يجود كتابة الكتاب ولا يقرمط ويترك الحاشية إى عند الضرورة. ورأى أبو حنيفة رحمه الله تعالى كتابا يقرمط فى الكتابة فقال: لا تقرمط خطك، إن عشت تندم وإن مت تشتم. يعنى إذا شخت وضعف نور بصرك ندمت على ذلك. وحكى عن الشيخ الإمام محمد مجد الدين الصرحكى، أنه قال: ما قرمطنا ندمنا، وما انتخبنا ندمنا، وما لم نقابل ندمنا. وينبغى أن يكون تقطيع الكتاب مربعا، فإنه تقطيع أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وهو أيسر على الرفع والوضع والمطالعة. وينبغى أن لا يكون فى الكتابة شيئ من الحمرة، فإنه من صنيع الفلاسفة لا صنيع السلف، ومن مشايخنا كرهوا استعمال المركب الأحمر. ومن تعظيم العلم: تعظيم الشركاء [فى طلب العلم والدروس] ومن يتعلم منه. والتملق مذموم إلا فى طلب العلم. فإنه ينبغى أن يتملق لأستاذه وشركائه ليستفيد منهم. وينبغى لطالب العلم أن يستمع العلم والحكمة بالتعظيم والحرمة، وإن سمع مسألة واحدة أو حكمة واحدة ألف مرة. وقيل: من لم يكن تعظيمه بعد ألف مرة كتعظيمه فى أول مرة فليس بأهل العلم. وينبغى لطالب العلم أن لا يختار نوع العلم بنفسه، بل يفوض أمره إلى الأستاذ، فإن الأستاذ قد حصل له التجارب فى ذلك، فكان أعرف بما ينبغى لكل واحد وما يليق بطبيعته. وكان الشيخ الإمام الأجل الأستاذ شيخ الاسلام برهان الحق والدين رحمه الله تعالى يقول كان طلبة العلم فى الزمان الأول يفوضون أمرهم فى التعلم إلى اساتذهم، وكانوا يصلون إلى مقصودهم ومرادهم، والآن يختارون بأنفسهم، فلا يحصل مقصودهم من العلم والفقه. وكان يحكى أن محمد بن إسماعيل البخارى رحمه الله تعالى كان بدأ بكتابة الصلاة على محمد بن الحسن رحمه الله، فقال له محمد بن الحسن: إذهب وتعلم علم الحديث، لما روى أن ذلك العلم أليق بطبعه، فطلب علم الحديث فصار فيه مقدما على جميع أئمة الحديث. وينبغى لطالب العلم أن لايجلس قريبا من الأستاذ عند السبق بغير ضرورة، بل ينبغى أن يكون بينه وبين الأستاذ قدر القوس فإنه أقرب إلى التعظيم. وينبغى لطالب العلم أن يحترز عن الأخلاق الذميمة، فإنها كلاب معنوية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة. وإنما يتعلم الإنسان بواسطة ملك والأخلاق الذميمة تعرف فى كتاب الأخلاق وكتابنا هذا لا يحتمل بيانها. [وليحترز] خصوصا عن التكبر ومع التكبر لا يحصل العلم. قيل: العلم حرب [للفتى] المتعالى ♣ كالسيل حرب للمكان العالى بجد لا بجد كل مجد ♣ فهل جد بلا جد بمجد فكم عبد يقوم مقام حر ♣ وكم حر يقوم مقام عبد فصل في الجد والمواظبة و الهمة ثم لا بد من الجد والمواظبة والملازمة لطالب العلم، وإليه الإشارة فى القرآن بقوله تعالى: يا يحيى خذ الكتاب بقوة. وقوله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. قيل: بجـد لا بجــد كــل مـجــد ♣ فهل جد بلا جد بمجدى فكم من عبد يقوم مقام حر ♣ وكم حر يقوم مقام عبد وقيل: من طلب شيئا وجد وجد، ومن قرع الباب ولج ولج. وقيل: بقدرما تتعنى تنال ما تتمنى. وقيل: يحتاج فى التعلم والتفقه إلى جد ثلاثة: المتعلم، والأستاذ، والأب، إن كان فى الأحياء. أنشدنى الشيخ الإمام الأجل الأستاذ سديد الدين الشيرازى للشافعى رحمهما الله الجـــد يــدنـى كــل أمـر شـاسـع والـجــد يفــتـح كــل باب مــغـلـق وأحق خلق الله تعالى بالهم امرؤ ذو هــمـة يــبلـى بـعــيـش ضـيـق ومن الدليل على القضاء وحكمه ♣ بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق لكن من رزق الحجا حرم الغنى ♣ ضـدان يــفـــتـرقــان أى تــفــرق وأنشدت لغيره: تمـنيت أن تمسى فـقيها مناظـرا ♣ بغـير عناء والجـنون فنون وليس اكتساب المال دون مشقة ♣ تحملها فالعلم كـيف يكون؟ قال أبو الطيب المتنبى: ولم أرى فـى عيوب الناس عيبا ♣ كنقص القادرين على التمام ولا بد لطالب العلم من سهر الليالى كما قال الشاعر: بقـدر الـكــد تكــتـسـب المـعالى ♣ ومـن طـلـب الـعـلى سـهـر اللـيالى تــروم الــــعــز ثـم تنــام لــــيلا ♣ يغوص فى البحر مـن طلب اللآلى علـو الـكــعـب بالهـمـم الـعـوالى ♣ وعـن الـــمـرء فـى ســهـر اللـيالى تركــت الــنوم ربى فى اللــيالى ♣ لأجــل رضـاك يامــولـى الـمـوالى ومــن رام الــعـلى مـن غـير كد ♣ أضاع الـعـمـر فى طـلب المـحــال فــوفـقـنى إلـى تحــصــيل عـلـم ♣ وبلـغــنـى إلـى أقــصـى الـمـعــالى قيل: اتخذ الليل جملا تدرك به أملا. قال المصنف وقد اتفق لى نظم فى هذا المعنى شعر مـن شاء أن يحـتوى آماله جـملا ♣ فلـيتـخـذ لــيله فـى دركــها جــمـلا إقلل طعامك كى تحظى به سهرا ♣ إن شئت يا صاحبى أن تبلغ الكملا وقيل: من أسهر نفسه بالليل، فقد فرح قلبه بالنهار. ولا بد لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار فى أول الليل وآخره، فإن ما بين العشائين، ووقت السحر، وقت مبارك. قيل فى هذا المعنى: يا طالب العـلم باشـر الورعا وجـانب الـنوم واترك الشبعـا وداوم على الدرس لا تفارقه ♣ فإن العلم بالدرس قام وارتفعا فيغتنم أيام الحداثة وعنفوان الشباب، كما قيل: بقـدر الـكــد تعــطى ما تروم ♣ فـمــن رام المـنى لــيلا يقـوم وأيام الـحــداثـة فـاغـتـنـمـهـا ألا إن الــحــــــداثــة لاتــدوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض نفسك فى عبادة الله تعالى فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وقال عليه السلام: نفسك مطيتك فارفق بها. فلا بد لطالب العلم من الهمة العالية فى العمل، فإن المرء يطير بهمته كالطير يطير بجناحيه. وقال أبو الطيب رحمه الله على قدر أهل العزم تأتى العـزائم ♣ وتأتى على قـدر الكـرام المكارم وتعظم فى عين الصغير صغارها ♣ وتصغر فى عين العظيم العظائم والرأس فى تحصيل الأشياء الجد والهمة العالية، فمن كانت همته حفظ جميع كتب محمد بن الحسن، واقترن بذلك الجد والمواظبة، فالظاهر أنه يحفظ أكثرها أو نصفها، فأما إذا كانت له همة عالية ولم يكن له جد، أو كان له جد ولم تكن له همة عالية لا يحصل له العلم إلا قليلا. وذكر الشيخ الامام الأجل الأستاذ رضى الدين النيسابورى فى كتاب مكارم الأخلاق أن ذا القرنين لما أراد أن يسافر ليستولى على المشرق والمغرب، شاور الحكماء وقال: كيف أسافر بهذا القدر من الملك، فإن الدنيا قليلة فانية، وملك الدنيا أمر حقير، فليس هذا من علو الهمة. فقال الحكماء: سافر ليحصل لك ملك الدين والآخرة. فقال: هذا أحسن. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب معالى الأمور ويكره سفسافها. وقيل: فلا تعجل بأمرك واستدمه ♣ فما صلى عصاك كمستديم قيل: قال أبو حنيفة رضى الله لأبى يوسف: كنت بليدا أخرجتك المواظبة، وإياك والكسل فإنه شؤم وآفة عظيمة. : قال الشيخ الإمام أبو نصر الصفار الأنصارى يا نفس يا نفس لا ترخى عن العمل ♣ فى البر والعدل والإحسان فى مهل فـكـل ذى عـمـل فى الخـير مـغـتبط ♣ وفـى بـلاء وشــؤم كــل ذى كــسـل : قال المصنف: وقد اتفق لى فى هذا المعنى شعر دعى نـفـسى الـتكــاسـل والـتـوانـى وإلا فـاثـــبــتـى فـى ذا الـــهـــوان فلم أر للـكــسـالـى اـلحـظ [ يحظى] ♣ ســوى نــدم وحــــرمــان الأمــانـى : وقيل كـم مـن حـياء وكم عـجـز وكـم نـدم ♣ جــم تــولـــد للإنـسـان مــن كـــسـل إياك عن كسل فى البحث عن شبه ♣ فـمــا علـمـت وما قـد شذ عنك سل وقد قيل: الكسل من قلة التأمل فى مناقب العلم وفضائله، فينبغى أن يتعب نفسه على التحصيل والجد والمواظبة بالتأمل فى فضائل العلم، فإن العلم يبقى [ببقاء المعلومات] والمال يفنى، كما قال أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه رضـينا قسمة الجـبار فينا ♣ لـنا علم وللأعـداء مال فإن المال يفنى عن قريب ♣ وإن العلم يبقى لا يزال والعلم النافع يحصل به حسن الذكر ويبقى ذلك بعد وفاته فغنه حياة أبدية. وأنشدنا الشيخ الإمام الأجل ظهير الدين مفتى الأئمة الحسن بن على المعروف بالمرغينانى: الجـــاهـلـون مـوتـى قـبل مـوتـهــم ♣ والعـالمـون وإن ماتوا فأحياء وأنشدنى الشيخ الإمام الأجل برهان الدين رحمه الله: وفى الجهل قبل الموت موت لأهله ♣ فـأجــسامهـم قبل القبور قبور وإن امــرؤ لم يحـــيى بالعلم مــيت ♣ فـليس له حــين النشور نشور : [وقال غيره] أخـو الـعـلم حـي خــالـد بـعـد مــــــوتـه وأوصـاله تحـت التراب رمـيم وذو الجهل ميت وهو يمشى على الثرى يظهر مـــن الأحياء وهوعديم : وقال آخر حـياة الـقـلب عـلـم فاغـتـنمـه ومـوت القلب جهـل فاجتنبه وأنشدنى أستاذنا شيخ الإسلام برهان الدين رحمة الله عليه شعرا: اذ العلم أعلى رتبة فى المــــــــراتب ومن دونه عز العلى فـى المواكــب فذو العلم يبقــى عزه متضــاعفـــــــا وذو الجهل بعد الموت فـى الترائب فـهــيات لا يرجــو مـداه مـن ارتـقى رقى ولى الملك والـى الكــــــــتائب سأملى عليكــم بعض ما فيه فاسمعوا فبى حصر عن ذكر كـل المــــناقب هو النور كل النور يهدى عن العمى وذو الجهل مر الدهر بين الغــياهب؛ هو الـذروة الشماء تحمى مـــن التجا إليها ويمشى آمـــــنا فـى الـــنـوائب به ينتجــــى والناس فى غفلاتـــــهـم به يرتجـــــى والـروح بين الترائب به يشفع الإنسان مــن راح عاصـــيا إلى درك النيران شـر العـــــــواقب فمن رامه رام المآرب كلــــــــــــــها ومـــــن حازه قد حاز كـل المطالب هو المنصب العالى يا صاحب الحجا إذا نلته هون بفــــــــوت المـناصب فإن فاتك الدنيا وطيب نعيمـــــــــــها [ فغمض[ فإن العلم خير المواهب : وانشدت لبعضهم إذا مـــــــا اعتز ذو علم بعــــــــــلم فعلم الفقــــــــه أولـــــــــى باعتزاز فكـــــــــــم طيب يفوح ولا كــمسك وكــــــــــــم طير يطير ولا كبازى : وأنشدت أيضا لبعضهم الفقه أنفس كل شيئ أنت ذا خـــــره مــن يدرس العلم لم تدرس مفاخره فاجهد لنفسك ما أصبحت تجهــــله فأول العلم إقبال وآخـــــــــــــــــره وكفى بلذة العلم والفقه والفهم داعيا وباعثا للعاقل على تحصيل العلم. وقد يتولد الكسل من كثرة البلغم والرطوبات، وطريق تقليله، تقليل الطعام. قيل: اتفق سبعون طبيبا على أن النسيان من كثرة البلغم، وكثرة البلغم من كثرة شرب الماء، وكثرة شرب الماء من كثرة الأكل، والخبز اليابس يقطع البلغم، وكذلك أكل الزبيب على الريق، ولا يكثر منه، حتى لايحتاج إلى شرب الماء فيزيد البلغم. والسواك يقلل البلغم، ويزيد الحفظ والفصاحة، فإنه سنة سنية، تزيد فى ثواب الصلاة، وقراءة القرآن، وكذا القيء يقلل البلغم والرطوبات، وطريق تقليل الأكل التأمل فى منافع قلة الأكل هى: الصحة والعفة والإيثار. وقيل فيه شعر فعار ثم عار ثم عار شقاء المرء من أجل الطعام . وعن النبى عليه السلم أنه قال: ثلاثة يبغضهم الله من غير جرم: الأكول والبخيل والمتكبر . وتأمل فى مضار كثرة الأكل وهى: الأمراض وكلالة الطبع، وقيل: البطنة تذهب الفطنة حكى عن جالينوس أنه قال: الرمان نفع كله، والسمك ضرر كله، وقليل السمك خير من كثرة الرمان وفيه أيضا: إتلاف المال، والأكل فوق الشبع ضرر محض ويستحق به العقاب ودار الآخرة، والأكول بغيض فى القلوب وطريق تقلييل الأكل: أن يأكل الأطعمة الدسمة ويقدم فى الأكل الألطف والأشهى، ولايأكل مع الجائع إلا إذا كان له غرض صحيح، بأن يتقوى به على الصيام والصلاة والأعمال الشاقة فله ذلك فصل فى بداية السبق وقدره وترتيبه كان أستاذنا شيخ الإسلام برهان الدين رحمه الله يوقف بداية السبق على يوم الأربعاء، وكان يروى فى ذلك حديثا ويستدل به ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من شيئ بدئ يوم الأربعاء إلا وقد تم وهكذا كان يفعل ابو حنيفة وكان يروى هذا الحديث عن أستاذه الشيخ الإمام الأجل قوام الدين أحمد بن عبد الرشيد رحمه الله وسمعت ممن أثق به، أن الشيخ يوسف الهمذانى رحمه الله، كان يوقف كل عمل من الخير على يوم الأربعاء. وهذا لأن يوم الأربعاء يوم خلق فيه النور، وهو يوم نحس فى حق الكفار فيكون مباركا للمؤمنين وأما قدر السبق فى الإبتداء: كان أبو حنيفة رحمه الله يحكى عن الشيخ القاضى الإمام عمر بن أبى بكر الزرنجرى رحمه الله أنه قال: قال مشايخنا رحمهم الله: ينبغى أن يكون قدر السبق للمبتدئ قدر ما يمكن ضبطه بالإعادة مرتين بالرفق ويزيد كل يوم كلمة حتى أنه وإن طال وكثر يمكن ضبطه بالإعادة مرتين، ويزيد بالرفق والتدريج، وأما إذا طال السبق فى الإبتداء واحتاج المتعلم إلى الإعادة عشر مرات فهو فى الإنتهاء أيضا يكون كذلك، لأنه يعتاد ذلك، ولا يترك تلك الإعادة إلا بجهد كثير وقد قيل: السبق حرف، والتكرار ألف. وينبغى أن يبتدئ بشيئ يكون أقرب إلى فهمه وكان الشيخ الإمام الأستاذ شرف الدين العقيلى رحمه الله يقول: الصواب عندى فى هذا ما فعله مشايخنا رحمهم الله، فإنهم كانوا يختارون للمبتدئ صغارات المبسوط لأنه أقرب إلى الفهم والضبط، وأبعد من الملالة، وأكثر وقوعا بين الناس. وينبغى أن يعلق السبق بعد الضبط والإعادة كثيرا، فإنه نافع جدا. ولا يكتب المتعلم شيئا لا يفهمه، فإنه يورث كلالة الطبع ويذهب الفطنة ويضيع أوقاته. وينبغى أن يجتهد فى الفهم عن الأستاذ بالتأمل وبالتفكر وكثرة التكرار، فإنه إذا قل السبق وكثرة التكرار والتأمل يدرك ويفهم. قيل: حفظ حرفين، خير من سماع وقرين، وفهم حرفين خير من حفظ سطرين وإذا تهاون فى الفهم ولم يجتهد مرة أو مرتين يعتاد ذلك فلا يفهم الكلام اليسير، فينبغى أن لا يتهاون فى الفهم بل يجتهد ويدعو الله ويتضرع إليه فإنه يجيب من دعاه، ولا يخيب من رجاه. وأنشدنا الشيخ الأجل قوام الدين حماد بن إبراهيم بن إسماعيل الصفار الأنصارى إملاء للقاضى الخليل بن أحمد الشجرى فى ذلك شعرا: أخدم العلم خدمـــــــة المستفيد وأدم درسه بفعل حـــــــميد وإذا مـــــــا حفظت شيئا أعده ثم أكده غاية التأكــــــــــــيد كى لا يزول ثم علقه كى تعود إليه وإلى درسه على التأبيد فإذا ما أمنت مــــــــــــنه فواتا فانتدب بعده لشيئ جــــــديد مع تكرار ما تقدم مــــــــــــنه واقتناء لشأن هـــــذا المـزيد ذاكــــــــر الناس بالعلوم لتحيا لا تكن من أولى النهى ببعيد إذا كتمت العلوم أنسيت حــتى لا ترى غير جـــــاهل وبليد ثم ألجمت فـــــــى القيامة نارا وتلهبت بالعـــــــذاب الشديد فصل فى التوكل ثم لا بد لطالب العلم من التوكل فى طالب العلم ولا يهتم لأمر الرزق ولا يشغل قلبه بذلك روى أبو حنيفة رحمه الله عن عبد الله بن الحارث الزبيدى صاحب رسل الله صلى الله عليه و سلم: من تفقه فى دين الله كفى همه الله تعالى ورزقه من حيث لا يحتسب فإن من اشتغل قلبه بأمر الرزق من القوت والكسوة قل ما يتفرغ لتحصيل مكارم الأخلاق ومعالى الأمور قيل: دع المكـــــارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك انت الطاعم الكاسى قال رجل [لابن] منصور الحلاج : أوصنى, فقال [ابن] المنصور : هي نفسك, إن لم تشغلها شغلتك. فينبغى لكل أحد أن يشغل نفسه بأعمال الخير حتى لا يشغل نفسه بهواها ولا يهتم العاقل لأمر الدنيا لأن الهم والحزن لا يرد المصيبة, ولا ينفع بل يضر بالقلب والعقل, ويخل بأعمال الخير, ويهتم لأمر الآخرة لأنه ينفع وأما قوله عليه الصلاة والسلام : إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا هم المعيشة فالمراد منه قدر هم لا يخل بأعمال الخير ولا يشغل القلب شغلا يخل بإحضار القلب فى الصلاة, فإن ذالك القدر من الهم والقصد من أعمال الآخرة ولا بد لطالب العلم من تقليل العلائق الدنيوية بقدر الوسع فلهذا اختاروا الغربة ولا بد من تحمل النصب والمشقة فى سفر التعلم, كما قال موسى صلوات الله على نبينا وعليه فى سفر التعلم ولم ينقل عنه ذلك فى غيره من الأسافر [ لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا] ليعلم أن سفر العلم لا يخلو عن التعب ، لأن طلب العلم أمر عظيم وهو أفضل من الغزاة عند أكثر العلماء، والأجر على قدر التعب والنصب، فمن صبر على ذلك التعب وجد لذة العلم تفوق لذات الدنيا ولهذا كان محمد بن الحسن إذا سهر الليالى وانحلت له المشكلات يقول: أين أبناء الملوك من هذه اللذات؟ وينبغى لطالب العلم ألا يشتغل بشيئ أخر غير العلم ولا يعرض عن الفقه قال محمد بن الحسن رحمه الله: صناعتنا هذه من المهد إلى اللحد فمن أراد أن يترك علمنا هذا ساعة فليتركه الساعة ودخل فقيه، وهو إبراهيم بن الجراح، على أبى يوسف يعوده فى مرض موته وهو يجود بنفسه، فقال أبو يوسف: رمي الجمار راكبا أفضل أم راجلا؟ فلم يعرف الجواب، فأجاب بنفسه وهكذا ينبغى للفقيه أن يشتغل به فى جميع أوقاته فحينئذ يجد لذة عظيمة فى ذلك وقيل: رؤي محمد بن الحسن فى المنام بعد وفاته فقيل له: كيف كنت فى حال النزع؟ فقال: كنت متأملا فى مسألة من مسائل المكاتب، فلم أشعر بخروج روحى وقيل إنه قال فى آخر عمره: شغلتنى مسائل المكاتب عن الإستعداد لهذا اليوم، وإنما قال ذلك تواضعا فصل فى وقت التحصيل قيل: وقت التعلم من المهد إلى اللحد دخل حسن بن زياد فى التفقه وهو ابن ثمانين سنة، ولم يبت على الفراش أربعين سنة فأفتى بعد ذلك أربعين سنة وأفضل الأوقات شرخ الشباب، ووقت السحر، وما بين العشائين وينبغى أن يستغرق جميع أوقاته، فإذا مل من علم يشتغل بعلم آخر وكان ابن عباس رضى الله عنه إذا مل من الكلام يقول: هاتوا ديوان الشعراء وكان محمد بن الحسن لا ينام الليل، وكان يضع عنده الدفاتر، وكان إذا مل من نوع ينظر فى نوع آخر، وكان يضع عنده الماء، ويزيل نومه بالماء، وكان يقول: إن النوم من الحرارة فصل فى الشفقة والنصيحة ينبغى أن يكون صاحب العلم مشفقا ناصحا غير حاسد، فالحسد يضر ولا ينفع وكان أستاذنا شيخ الإسلام برهان الدين رحمه الله يقول: قالوا إن ابن المعلم يكون عالما لأن المعلم يريد أن يكون تلميذه فى القرآن عالما فببركة اعتقاده وشفقته يكون ابنه عالما وكان أبو الحسن يحكى أن الصدر الأجل برهان الأئمة جعل وقت السبق لابنيه الصدر الشهيد حسام الدين والصدر السعيد تاج الدين وقت الضحوة الكبرى بعد جميع الاسباق، وكانا يقولان: إن طبيعتنا تكل وتمل فى ذلك الوقت، فقال أبوهما رحمه الله: إن الغرباء وأولاد الكبراء يأتوننى من أقطار الأرض فلا بد من أن أقدم أسباقهم. فببركة شفقته فاق ابناه أكثر فقهاء الأمصار، وأهل الأرض فى ذلك العصر وينبغى أن لا ينازع أحدا ولا يخاصمه لأنه يضيع أوقاته قيل: المحسن سيجزى بإحسانه والمسيئ ستكفيه مساويه أنشدنى الشيخ الإمام الزاهد العارف ركن الإسلام محمد بن أبى بكر المعروف بإمام خواهر زاده مفتى الفريقين رحمه الله قال: أنشدنى سلطان الشريعة والطريقة يوسف الهمذانى لا تجز إنسانا على سوء فعله * سيكفيه مــا فيه وما هو فاعله قيل: من أراد أن يرغم أنف عدوه فليكرر وأنشدت هذا الشعر إذا شئت أن تلقى عدوك راغمـا * وتقتله غما وتحرقــــــــــه هما فرم للعلى وازدد من العلم إنه * من ازداد علما زاد حاسده غما قيل: عليك أن تشتغل بمصالح نفسك لا بقهر عدوك، فإذا أقمت مصالح نفسك تضمن ذلك قهر عدوك إياك والمعاداة فإنها تفضحك وتضيع أوقاتك، وعليك بالتحمل لا سيما من السفهاء قال عيسى بن مريم صلوات الله عليه: احتملوا من السفيه واحدة كى تربحوا عشرا وأنشدت لبعضهم شعرا بلوت الناس قرنا بعـــــد قرن ولــــــم أر غير ختال وقالى ولم أر فى الخطوب أشد وقعا وأصعب من معاداة الرجال وذقت مرارة الأشياء طـــــرا وما ذقت أمر مــــن السؤال وإياك أن تظن بالمؤمن سوءا فإنه منشأ العداوة ولا يحل ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام: ظنوا بالمؤمنين خيرا. وإنما ينشأ ذلك من خبث النية وسوء السريرة كما قال أبو الطيب إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدق ما يعتاده مــــــن توهم وعادى محبيه بقول عداتــــــــــه * وأصبح فى ليل من الشك مظلم وأنشدت لبعضهم تنح عن القبيح ولا تـــرده * ومن أوليته حسنا فزده ستكفى من عدوك كل كيد * إذا كــاد العدو فلا تكده وأنشدت للشيخ العميد أبى الفتح البستى ذو العقل لا يسلم مـــــــن جاهل * يسومـــــــــــــه ظلما وإعناتا فليختر السلم على حربـــــــــــه * ولـــــــيلزم الإنصات إنصاتا فصل فى الإستفادة واقتباس الأدب وينبغى أن يكون طالب العلم مستفيدا فى كل وقت حتى يحصل له الفضل والكمال فى العلم وطريق الإستفادة أن يكون معه فى كل وقت محبرة حتى يكتب ما يسمع من الفوائدالعلمية قيل: من حفظ فر ومن كتب قر وقيل: العلم ما يؤخذ من أفواه الرجال، لأنهم يحفظون أحسن ما يسمعون، ويقولون أحسن ما يحفظون وسمعت عن شيخ الإمام الأديب الأستاذ زين الإسلام المعروف بالأديب المختار يقول: قال هلال بن زيد بن يسار: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه شيئا من العلم والحكمة، فقلت يا رسول الله أعد لى ما قلت لهم، فقال لى: هل معك محبرة؟ فقلت: ما معى محبرة، فقال النبى عليه السلام: ياهلال لا تفارق المحبرة لأن الخير فيها وفى أهلها إلى يوم القيامة ووصى الصدر الشهيد حسام الدين إبنه شمس الدين أن يحفظ كل يوم شيئا من العلم والحكمة فإنه يسير، وعن قريب يكون كثيرا واشترى عصام بن يوسف قلما بدينار ليكتب ما يسمعه فى الحال، فالعمر قصير والعلم كثير فينبغى أن لا يضيع طالب العلم الأوقات والساعات ويغتنم الليالى والخلوات يحكى عن يحيى بن معاذ الرازى أنه قال الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار مضيئ فلا تكدره بآثامك وينبغى أن يغتنم الشيوخ ويستفيد منهم، وليس كل ما فات يدرك، كما قال أستاذنا شيخ الإسلام فى مشيخته: كم من شيخ كبير أدركته وما استخبرته وأقول على هذا الفوت منشئا هذا البيت: لهفا على فوت التلاقى لهفا ما كل ما فات ويفنى يلفى قال على رضى الله عنه: إذا كنت فى أمر فكن فيه، وكفى بالإعراض عن علم الله خزيا وخسارا واستعذ بالله منه ليلا ونهارا ولا بد لطالب العلم من تحمل المشقة والمذلة فى طلب العلم والتملق مذموم إلا فى طلب العلم فإنه لا بد له من التملق للأستاذ والشريك وغيرهم للإستفادة منهم قيل: العلم عز لا ذل فيه، لا يدرك إلا بذل لا عز فيه وقال القائل: أرى لك نفسا تشتهى أن تعزها * فلست تنال العز حــتى تذلها فصل فى الورع فى حالة التعلم روى بعضهم حديثا فى هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لم يتورع فى تعلمه ابتلاه الله تعالى بأحد ثلاثة أشياء: إما أن يميته فى شبابه، أو يوقعه فى الرساتيق، أو يبتليه بخدمة السلطان فكلما كان طالب العلم أورع كان علمه أنفع، والتعلم له أيسر وفوائده أكثر ومن الورع الكامل أن يتحرز عن الشبع وكثرة النوم وكثرة الكلام فيما لا ينفع وأن يتحرز عن أكل طعام السوق إن أمكن، لأن طعام السوق أقرب إلى النجاسة والخباثة، وأبعد عن ذكر الله وأقرب إلى الغفلة، ولأن أبصار الفقراء تقع عليه ولا يقدرون على الشراء منه، فيتأذون بذلك فتذهب بركته وحكي أن الإمام الشيخ الجليل محمد بن الفضل كان فى حال تعلمه لايأكل من طعام السوق، وكان أبوه يسكن فى الرساتيق ويهيئ طعامه ويدخل أليه يوم الجمعة، فرأى فى بيت ابنه خبز السوق يوما فلم يكلمه ساخطا على ابنه فاعتذر ابنه، فقال: ما اشتريت أنا ولم أرض به ولكن أحضره شريكى، فقال أبوه: لو كنت تحتاط وتتورع عن مثله لم يجرؤ شريكك على ذلك وهكذا كانوا يتورعون فلذلك وفقوا للعلم والنشر حتى بقى اسمهم إلى يوم القيامة ووصى فقيه من زهاد الفقهاء طالب العلم أن يتحرز عن الغيبة وعن مجالسة المكثار، وقال: من يكثر الكلام يسرق عمرك ويضيع أوقاتك ومن الورع أن يجتنب من أهل الفساد والمعاصى والتعطيل، ويجاور الصلحاء فإن المجاورة مؤثرة، وأن يجلس مستقبل القبلة ويكون مستنا بسنة النبى عليه الصلاة والسلام، ويغتنم دعوة أهل الخير، ويتحرز عن دعوة المظلومين وحكي أن رجلين خرجا فى طلب العلم للغربة وكانا شريكين فرجعا بعد سنين إلى بلدهما وقد فقه أحدهما ولم يفقه الآخر، فتأمل فقهاء البلاد وسئلوا عن حالهما وتكرارهما وجلوسهما فأخبروا أن جلوس الذى تفقه فى حال التكرار كان مستقبل القبلة والمصر الذى حصل العلم فيه والآخر كان مستدبرا القبلة ووجهه إلى غير المصر فاتفق العلماء والفقهاء أن الفقيه فقه ببركة استقبال القبلة إذ هو السنة فى الجلوس إلا عند الضرورة، وببركة دعاء المسلمين فإن المصر لا يخلو من العباد وأهل الخير والزهد، فالظاهر أن عابدا دعا له فى الليل فينبغى لطالب العلم أن لا يتهاون بالآداب والسنن، ومن تهاون بالأدب حرم السنن، ومن تهاون بالسنن حرم الفرائض، ومن تهاون بالفرائض حرم الآخرة. وبعضهم قالوا بهذا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينبغى أن يكثر الصلاة، ويصلى صلاة الخاشعين، فإن ذلك عون له على التحصيل والتعلم وأنشدت للشيخ الإمام الجليل الزاهد الحجاج نجم الدين عمر بن محمد النسفى شعرا كـــــــــــن للأوامر والنواهى حافظا * وعلى الصلاة مواظبا ومحافظا واطلب علوم الشرع واجهد واستعن* بالطيبات تصر فقيها حافــــــظا واسئل إلهك حفـــــــظ حفظك راغبا * مــــــــن فضله فالله خير حافظا وقال رحمة الله عليه أطيعوا وجدوا ولا تكسلوا وأنتم إلــى ربكم ترجعون ولا تهجعوا فخيار الورى قليلا من الليل ما يهجعون وينبغى أن يستصحب دفترا على كل حال ليطالعه. وقيل: من لم يكن الدفتر فى كمه لم تثبت الحكمة فى قلبه وينبغى أن يكون فى الدفتر بياض ويستصحب المحبرة ليكتب ما يسمع من العلماء. وقد ذكرنا حديث هلال بن يسار فصل فيما يورث الحفظ وفيما يورث النسيان وأقوى أسباب الحفظ: الجد والمواظبة، وتقليل الغذاء، وصلاة الليل وقراءة القرآن من أسباب الحفظ قيل: ليس شيئ أزيد للحفظ من قراءة القرأن نظرا، والقراءة نظرا أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام: أعظم أعمال أمتى قراءة القرآن نظرا ورأى شداد بن حكيم بعض إخوانه فى المنام، فقال لأخيه: أى شيئ وجدته أنفع؟ قراءة القرآن نظرا ويقول عند رفع الكتاب: بسم الله وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله اكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم العزيز العليم، عدد كل حرف كتب ويكتب أبد الآبدين ودهر الداهرين ويقول بعد كل مكتوبة: آمنت بالله الواحد الأحد الحق، وحده لا شريك له، وكفرت بما سواه ويكثر الصلاة على النبى عليه السلام فإن ذكره رحمة للعالمين قال الشافعى رضى الله عنه شكوت إلى وكيع سوء حفظى*فأرشدنى إلى ترك المعاصى فإن الحفظ فضل مــــــــن الله * وفضل الله لا يعطى لعاصـــــى والسواك وشرب العسل وأكل الكندر مع السكر وأكل إحدى وعشرين زبيبة حمراء كل يوم على الريق يورث الحفظ ويشفى من كثير من الأمراض والأسقام، وكل ما يقلل البلغم والرطوبات يزيد فى الحفظ، وكل ما يزيد فى البلغم يورث النسيان وأما ما يورث النسيان فهو: المعاصى وكثرة الذنوب والهموم والأحزان فى أمور الدنيا، وكثرة الإشتغال والعلائق وقد ذكرنا أنه لا ينبغى للعاقل أن يهتم لأمر الدنيا لأنه يضر ولا ينفع وهموم الدنيا لا تخلو عن الظلمة فى القلب، وهموم الآخرة لا تخلو عن النور فى القلب، ويظهر أثره فى الصلاة فهم الدنيا يمنعه من الخيرات، وهم الآخرة يحمله عليه، والإشتغال بالصلاة على الخشوع وتحصيل العلم ينفى الهم والحزن كما قال الشيخ نصر بن الحسن المرغينانى فى قصيدة له: استعن نصر بن الحسن فــــــــى كل علم يحتـزن ذاك الذى ينفى الحــزن وما سواه باطل لا يؤتمن والشيخ الإمام الأجل نجم الدين عمر بن محمد النسفى قال فى أم ولد له سلام على مـــــــــن تيمتنى بظرفـها*ولمعة خــــــــدها ولمحة طرفها سبتنى وأصبتنى فـــــــــــــتاة مليحة *تحيرت الأوهام فى كـنه وصفها فقلت: ذرينى واعذرينــــــــى فإننـى* شغفت بتحصيل العلوم وكــشفها ولى فى طلاب الفضل والعلم والتقى *غنى عن غناء الغانيات وعرفها وأما أسباب نسيان العلم: فأكل الكزبرة الرطبة، والتفاح الحامض، والنظر إلى المصلوب، وقراءة الخط المكتوب على حجارة القبور، والمرور بين قطار الجمال، وإلقاء القمل الحي على الأرض، والحجامة على نقرة القفا، كلها يورث النسيان فصل فيما يجلب الرزق وفيما يمنع وما يزيد فى العمر وما ينقص ثم لابد لطالب العلم من القوة ومعرفة ما يزيد فيه وما يزيد فى العمر والصحة ليتفرغ فى طلب العلم وفى كل ذلك صنفوا كتبا، فأوردت بعضها هنا على سبيل الإختصار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يرد القدر إلا بالدعاء، ولا يزيد فى العمر إلا البر، فإن الرجل ليحرم من الرزق بذنب يصيبه ثبت بهذا الحديث أن إرتكاب الذنب سبب حرمان الرزق خصوصا الكذب فإنه يورث الفقر, وقد ورد فيه حديث خاص وكذا نوم الصبحة يمنع الرزق, وكثرة النوم تورث الفقر, وفقر العلم أيضا قال القائل شعرا: سرور الناس فى لبس اللباس وجمع العلم فـى ترك النعاس وقال: أليس مــــــن الحزن أن لياليا تمر بلا نفع وتخسر من عمر وقال أيضا: قـــــم الليل يا هذا لعلك ترشد إلى كم تنام الليل والعمر ينفد والنوم عريانا, والبول عرينا، والأكل جنبا, والأكل متكئا على جنب, والتهاون بسقوط المائدة, وحرق قشر البصل والثوم, وكنس البيت فى الليل بالمنديل, وترك القمامة فى البيت, والمشي قدام المشايخ, ونداء الوالدين باسمهما, والخلال بكل خشبة, وغسل اليدين بالطين والتراب, والجلوس على العتبة, والاتكاء على أحد زوجي الباب, والتوضؤ فى المبرز, وخياطة الثوب على بدنه, وتجفيف الوجه بالثوب, وترك العنكبوت فى البيت, والتهاون فى الصلاة, وإسراع الخروج من المسجد بعد صلاة الفجر, والإبتكار بالذهاب إلى السوق, والابطاء فى الرجوع منه, وشراء كسرات الخبز من الفقراء, والسؤال, ودعاء الشر على الوالد, وترك تخمير الأوانى وإطفاء السراج بالنفس كل ذلك يورث الفقر, عرف ذلك بالآثار وكذا الكتابة بالقلم المعقود، والامتشاط بالمشط المنكسر، وترك الدعاء للوالدين، والتعمم قاعدا، والتسرول قائما، والبخل والتقتير، والإسراف، والكسل والتوانى والتهاؤن فى الأمور وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استنزلوا الرزق بالصدقة؛ والبكور مبارك يزيد فى جميع النعم خصوصا فى الرزق وحسن الحظ من مفاتيح الرزق وبسط الوجه وطيب الكلام يزيد فى الحفظ والرزق. وعن الحسن بن على: كنس الفناء وغسل الإناء مجلبة للغنى وأقوى الأسباب الجاذبة للرزق إقامة الصلاة بالتعظيم والخشوع، وتعديل الأركان وسائر واجباتها وسننها وآدابها، وصلاة الضحى فى ذلك معروفة وقراءة سورة الواقعة خصوصا فى الليل وقت النوم، وقراءة الملك، والمزمل، والليل إذا يغشى وألم نشرح لك وحضور المسجد قبل الأذان، والمداومة على الطهارة، وأداء سنة الفجر والوتر فى البيت. وأن لا يتكلم بكلام الدنيا بعد الوتر ولا يكثر مجالسة النساء إلا عند الحاجة وأن لا يتكلم بكلام لغو، وقيل: من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه. قال بزرجمهر: إذا رأيت الرجل يكثر الكلام فاستيقن بجنونه وقال على رضى الله عنه: إذا تم العقل نقص الكلام قال المصنف رحمه الله: واتفق لى فى هذا المعنى شعرا: إذا تم عقل المرء قل كلامـــه وأيقن بحمق المرء إن كان مكثرا النطق زين والسكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكون مكــــــــــثرا ما ندمت على سكوت مــــرة ولقد ندمت على الكلام مــــــرارا وأما ما يزيد فى الرزق: أن يقول كل يوم بعد انشقاق الفجر إلى وقت الصلاة: سبحان الله العظيم وبحمده، سبحان الله العظيم وبحمده، وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه مائة مرة، وأن يقول: لا إله إلا الله الملك الحق المبين كل يوم صباحا ومساء مائة مرة وأن يقول بعد صلاة الفجر كل يوم: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، ثلاثا وثلاثين مرة، وبعد صلاة المغرب أيضا، ويستغفر الله تعالى سبعين مرة بعد صلاة الفجر، ويكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم ويقول يوم الجمعة سبعين مرة : اللهم أغننى بحلالك عن حرامك واكفنى بفضلك عمن سواك. ويقول هذا الثناء كل يوم وليلة : أنت الله العزيز الحكيم, أنت الله الملك القدوس, أنت الله الحكيم الكريم, انت الله خالق الخير والشر, أنت الله خالق الجنة والنار, أنت الله عالم الغيب والشهادة, أنت الله عالم السروأخفى, أنت الله الكبير المتعال, أنت الله خالق كل شيئ واليه يعود كل شيئ, أنت الله ديان يوم الدين, لم تزل ولا تزال, أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد, لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد, أنت الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبرلا إله إلا أنت الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم وأما ما يزيد في العمر: البر, وترك الأذى, وتوقير الشيوح, وصلة الرحم وأن يقول حين يصبح ويمسى كل يوم ثلاث مرات : سبحان الله ملء الميزان, ومنتهى العلم, ومبلغ الرضا, وزنة العرش. ولا إله إلا الله ملء الميزان, ومنتهى العلم وزنة العرش. والله أكبر, ملء الميزان, ومنتهى العلم, ومبلغ الرضا, وزنة العرش وأن يتحرز عن قطع الأشجار الرطبة إلا عند الضرورة, وإسباغ الوضوء والصلاة بالتعظيم, والقرآن بين الحج والعمرة, وحفظ الصحة, ولا بد أن يتعلم شيئا من الطب, ويتبرك بالآثار الواردة فى الطب التى جمعها الإمام أبو العباس المستغفري في كتابه المسمى : بطب النبى عليه السلام, يجده من يطلبه فهو كتاب مشهور والحمد لله على التمام, وصلى الله على سيدنا محمد أفضل الرسل الكرام, وآله وصحبه الأئمة الاعلام, على ممر الدهور وتعاقب الأيام, آمين.